سيد محمد طنطاوي

248

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف ، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس ، فكأنه قيل : فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل هذه القرية الكافرة بأنعم اللَّه فقال : * ( ولَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوه ) * . أي : ولقد جاء إلى أهل هذه القرية رسول من جنسهم ، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، فأمرهم بطاعة اللَّه وشكره ، ولكنهم كذبوه وأعرضوا عنه . والتعبير بقوله * ( جاءَهُمْ ) * يدل على أن هذا الرسول وصل إليهم وبلغهم رسالة ربه ، دون أن يكلفهم الذهاب إليه ، أو البحث عنه . والتعبير بالفاء في قوله : * ( فَكَذَّبُوه ) * يشعر بأنهم لم يتمهلوا ولم يتدبروا دعوة هذا الرسول ، وإنما قابلوها بالتكذيب السريع بدون روية ، مما يدل على غباوتهم وانطماس بصيرتهم . وقوله - تعالى - * ( فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وهُمْ ظالِمُونَ ) * بيان للعاقبة السيئة التي حاقت بهم . أي : فكانت نتيجة تكذيبهم السريع لنبيهم أن أخذهم العذاب العاجل الذي استأصل شأفتهم ، والحال أنهم هم الظالمون لأنفسهم ، لأن هذا العذاب ما نزل بهم إلا بعد أن كفروا بأنعم اللَّه ، وكذبوا رسوله . هذا ، والذي يتأمل هاتين الآيتين الكريمتين يراهما وإن كانتا تشملان حال كل قوم بدلوا نعمة اللَّه كفرا . . إلا أنهما ينطبقان تمام الانطباق على كفار مكة . وقد بين ذلك الإمام الآلوسي - رحمه اللَّه - فقال ما ملخصه : وحال أهل مكة - سواء أضرب المثل لهم خاصة ، أم لهم ولمن سار سيرتهم كافة - أشبه بحال أهل تلك القرية من الغراب بالغراب ، فقد كانوا في حرم آمن ويتخطف الناس من حولهم ، وكانت تجبى إليهم ثمرات كل شيء رزقا ، ولقد جاءهم رسول منهم تحار في سمو مرتبته العقول صلى اللَّه عليه وسلم فأنذرهم وحذرهم فكفروا بأنعم اللَّه ، وكذبوه صلى اللَّه عليه وسلم فأذاقهم اللَّه لباس الجوع والخوف ، حيث أصابهم بدعائه صلى اللَّه عليه وسلم : « اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف » - ما أصابهم من جدب شديد ، فاضطروا إلى أكل الجيف . . وكان أحدهم ينظر إلى

--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 2 ص 639 .